الجاحظ

96

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

حسن الظن بها مقتصدا ، فإنه إن تجاوز مقدار الحقّ في التهمة لنفسه ظلمها ، فأودعها ذلة المظلومين ، وإن تجاوز الحق في مقدار حسن الظن بها ، آمنها فأودعها تهاون الآمنين . ولكل ذلك مقدار من الشغل ، ولكل شغل مقدار من الوهن ، ولكل وهن مقدار من الجهل . وقال إبراهيم بن هانئ ، وكان ماجنا خليعا ، وكثير العبث متمردا . ولولا أن كلامه هذا الذي أراد به الهزل يدخل في باب الجد ، لما جعلته صلة الكلام الماضي . وليس في الأرض لفظ يسقط البتة ، ولا معنى يبور حتى لا يصلح لمكان من الأماكن . قال إبراهيم بن هانئ : من تمام آلة القصص أن يكون القاص أعمى ، ويكون شيخا بعيد مدى الصوت . ومن تمام آلة الزّمر أن تكون الزامرة سوداء . ومن تمام آلة المغني أن يكون فاره البرذون . برّق الثياب عظيم الكبر ، سيّئ الخلق . ومن تمام آلة الخمار أن يكون ذميا ، ويكون اسمه أذين أو شلوما ، أو مازيار ، أو ازدانقاذار ، أو ميشا ، ويكون أرقط الثياب ، مختوم العنق . ومن تمام آلة الشعر أن يكون الشاعر أعرابيا ، ويكون الداعي إلى اللّه صوفيا . ومن تمام آلة السؤدد أن يكون السيد ثقيل السمع ، عظيم الرأس . ولذلك قال ابن سنان الجديدي ، لراشد بن سلمة الهذلي : « ما أنت بعظيم الرأس ولا ثقيل السمع فتكون سيدا ، ولا بأرسح فتكون فارسا » . وقال شبيب بن شيبة الخطيب ، لبعض فتيان بني منقر : « واللّه ما مطلت مطل الفرسان ، ولا فتقت فتق السادة » . وقال الشاعر : فقبّلت رأسا لم يكن رأس سيد * وكفا ككف الضبّ أو هي أحقر فعاب صغر رأسه وصغر كفه ، كما عاب الشاعر كف عبد اللّه بن مطيع « 1 » العدوي ، حين وجدها غليظة جافية ، فقال :

--> ( 1 ) الشاعر هو فضالة بن شريك وقد هجا عبد اللّه بن مطيع بن الأسود والي عبد اللّه بن الزبير على الكوفة عندما طرده المختار بن أبي عبيد الثقفي عنها .